الفلسفي والوجداني والسياسي في ديوان يخاتل الشجن للشاعرة سكينة شجاع الدين

سما نيوز19 سبتمبر 2022آخر تحديث : الإثنين 19 سبتمبر 2022 - 4:34 مساءً
سما نيوز
ثقافة وفن
الفلسفي والوجداني والسياسي في ديوان يخاتل الشجن للشاعرة سكينة شجاع الدين
عبدالفتاح إسماعيل الخضر - قاص وناقد

من يخاتل الشجن وكيف يخاتل الشجن يبدو ذلك من صورة الغلاف الأمامي كمن يرقب مصائره ويفلسف حزنه، يخاتل الشجن بين الفلسفي والوجداني والسياسي تناثرت هذه الأحرف من حيث بنيته الدلالية متصلا اتصالا وثيقا بمضمون التجربة الشعرية ويشكل رمزا ذا دلالة بديلة للمتن الشعري فيها، فالعنوان نص صغير جداً ملحق بالنص الأكبر يتضمن العمل ويتصل به على مستوى البنية والدلالة، فيقوم بوظيفة الإعلان عن مضمون التجربة الشعرية بمحاورها الاساسية التي تمنحها هويتها، من يخاتل الشجن؟

– هل الحبيب يخاتل الشجن بعد انكسارات عاطفية ذوت فيه بالنار سبعين خريفا، أم المواطن يخاتل شجنه الأزلي وسط ركام الخيبات والموت والموات بحثا عن رغيفه الضروري المستحيل كالقمر البعيد، أم الفيلسوف الحائر بين الكينونة والصيرورة هو من يخاتل الشجن، أم غدونا جميعاً نخاتل الشجن ونخادع الوطن ونلقي باللوم على الزمن كما تقول الكاتبة العربية يمنى العيد “غدونا ألماً صافيا”

٢- التجوال بين الموضوع والمدارس والنوع الشعري :

تجولت الذات الشاعرة هنا بين الموضوع فهناك نصوص فيها نفس فلسفي ونصوص أخرى باذحة بالعاطفة ونصوص تعبر عن الوطن كرمزية للكارثة ففي الجانب السياسي هناك إيحاءات تدين الجماعات التي تنظر إلى الوطن أنه حفنة تراب قذرة وجماعات أخرى تعتبر الوطن حقل نفطي يجب السيطرة عليه وجماعات أخرى ترى أن الوطن نسب يمتد للنبي محمد، فقد غدت حياتنا دولاب جهنمي بلا دواء… بلا ماء… بلا خبز… بلا خبز.، أما بالنسبة للجانب الفلسفي فقد تجلى ذلك في نص عبثية الحياة ص88.. ، تساؤلات وجودية هل نحن في نهاية العالم حتى نعيش بهذا العبث، فالطريق في الحياة غير واضح ومع ذلك العتمة تشتد غياهب وراء غياهب تقود للجوع المستمر والموت المتلذذ بالذات رويدا رويدا.. فالإنسان ينشد الخلاص في عالم فوضوي أناني ولايريد شيئاً من هذه الحياة سواء ممارسة أدميته وإنسانيته على أقل تقدير… فكأن الأزمة هي جزء من تركيب الإنسان ولايحلو له العيش إلا في عالم مجنون مضطرب وحتى في سكونه اضطراب.
أما بالنسبة للجانب الوجداني ففي نص “تراتيل الشوق” مزجت الذات الشاعرة بين ماهو فيزيائي وعاطفي حيث استخدمت مصطلحات فيزيائية لتشريح حالة عاطفية أبرز مظاهرها اللهفة الوقت والبوح والوجد والذكريات… الخ. ناهيك عن تجول الذات الشاعرة بين الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر وعقد تصالح واضح بين الكلاسيكي والرومانسي والحداثي فأحمد شوقي ونزار قباني ونازك الملائكة وأدونيس كلهم حاضرون في يخاتل الشجن.

3- التناصات اليوت تأثر كثيراً برباعيات (عمر الخيام) حتى أن اليوت استلهم كتابه الأرض الخراب من التراث الإسلامي من فكرة الأرض الموات عند الخيام… الشاعرة كما استلهمت من الفلسفة والوجدان والوقت نصوصها أيضاً استلهمت من الكتاب المقدس “القران الكريم” في نص ” أتراني أعصر خمرا ” فالتناصات في يخاتل الشجن استلهامات تستدعي كل ماهو فلسفي ووجداني وووطني لتخلق نصوص عابرة لهذا النزق اليومي المكارثي وتعبر عنه وتسأله وتدينه..

4- الذاكرة فصل للكتابة تشظت الذاكرة في يخاتل الشجن لذواكر ثلاث بعيدة المدى ومتوسطة المدى وقريبة المدى عبر عنها الذات الشاعرة فالذاكرة بعيدة المدى تخيلنا لعقود وعهود تطل الذكريات فيها كجبل الجليد العائم، أما الذاكرة المتوسطة المدى تطوف بنا لبضع سنوات تعبر من خلالها إلى الماضي القريب، أما الذاكرة القصيرة المدى تتأرجح بين اللحظة والفقدان والتخلي ، فالذاكرة المتشظية قادت إلى تشظي الذات لذوات أكثر خوفاً حيث تعيش الذات غربة مركبة في نصوص هذا الديوان ذات صامتة مسلوبة فاقدة الإرادة ومصادرة العقل ومبهمة حتى من نفسها، تعيش صراعا حادا و مريرا بين ماتريد وما لا تريد.

ختاما: يخاتل الشجن ذات شاعرة تتسكع هائمة في شوراع مدن الموت والعبث والخراب، يخاتل الشجن… رثاء لما استبد بالعالم من موات، وما غشاه من خواء، فينطلق الخطاب الشعري صيحات مبطنة على حال هذا العالم بين الرمزية والتأويل، يخاتل الشجن… أنه الأحساس بالفراغ العاطفي وانعدام التوازن الشعوري و التبرم من الحياة، الذي لايفارق الذات الشاعرة في قصائدها إلا حينما يتناهى إلى سمعها صوت الموسيقى منطلق من مكان ما في هذا الوجود.